محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

113

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

- أو التوراة ، أو الأناجيل - إلى امتحان علم واثق من أسسه وإمكانياته أو وسائله . بل على العكس ، فنحن لا نستبعد أبدا فكرة إخضاع الألسنيات المعاصرة إلى امتحان نصّ يمكنه أن يزعزع الكثير من اليقينيات الدوغمائية . مهما يكن من أمر ، فإننا نعلن قائلين منذ البداية بأننا لا نخضع لأي مدرسة ألسنية محدّدة دون غيرها . فنحن نرفض الاستبعادات والتحييدات الاعتباطية أو التعسفية التي تختار الألسنيات البنيوية بواسطتها نصوصها المتخذة كعيّنات للدراسة . كما وسنوفر على أنفسنا وعلى القرّاء ذلك الجهد الهائل الذي تتطلّبه مصطلحات « علم التحليل الدلالي » « 1 » . ولذلك ، فإننا سوف نستمر في التحدّث عن قراءة ألسنية أكثر مما هي سيميائية أو علاماتية . فمثال القرآن سوف يتيح لنا أن نبرهن على أن منهجية علم التحليل الدلالي وإشكاليته ومصطلحاته المعقدة والمرعبة تجد تبريرها ، على ما يبدو ، في ضرورة تجاوز المسلمات التي لا تحتمل ولا تطاق للألسنيات البنيوية « * » . وسوف نحاول أن نبرهن على أن هذا التجاوز ربما كان ممكنا إذا ما أعدنا للّغة كمادة كل أبعادها . النص الذي نريد قراءته قصير نسبيا . وهو يشكّل جزءا من نصّ أكبر وأكثر اتساعا كان قد نقل إلينا تحت اسم القرآن . من الناحية الألسنية أو اللغوية يمكن القول بأن القرآن عبارة عن مدونة منتهية ومفتوحة من العبارات أو المنطوقات المكتوبة باللغة العربية . وهو مدونة لا يمكن أن نصل إليها إلّا

--> ( 1 ) من دون أن نستبق بأي حكم مسبق على نتائج البحث الجاري حاليا تحت اسم : علم السيميائيات ( أو علم الرموز والعلامات اللغوية وغير اللغوية ) ، وعلم السيميولوجيا ( أو دراسة حياة العلامات وسط الحياة الاجتماعية ) ، والتحليل السيميائي ، فإننا نلتزم فقط بهذه الملاحظة التي قدّمها العالم إميل بنقينيست . يقول : « كل سيميولوجيا لنظام غير لغوي ينبغي أن تتمّ عن طريق اللغة . وبالتالي ، فلا يمكنها أن تنوجد إلّا بواسطة سيميولوجيا اللغة ومن خلالها . . . إن اللغة هي مترجم ( أو مفسّر ) جميع الأنظمة الأخرى من لغوية وغير لغوية » . 130 . p ، l / 1969 ، Semiotica : Benveniste . Emile بمعنى آخر : لا يمكننا أن نفهم الأنظمة السيميائية أو العلاماتية الأخرى إذا لم نمر من خلال اللغة . * الواقع أن البنيوية الشكلانية سقطت الآن ، ولكنها كانت مهيمنة على الدراسات الأدبية ، بل وطاغية ، عندما كتب أركون دراسته هذه . وهناك مصطلحان ينبغي أن ننتبه إليهما وهما : مصطلح Semiotique ، ومصطلح . Semanalyse الأول نترجمه بعلم العلامات أو علم الرموز من لغوية وغير لغوية . وأحيانا نقول : علم السيميائيات . وهو يستعيد نفس مشروع دي سوسير في دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية . فنظام اللغة مشكّل من علامات ، أي من كلمات وحروف ، ونظام السير في المدينة مشكّل من علامات أو إشارات ولكن غير لغوية ، وقس على ذلك كل أنظمة الحياة الاجتماعية المليئة بالإشارات والرموز . أما المصطلح الثاني الذي ترجمناه بعلم التحليل الدلالي أو السيميائي ، فهو ضروري جدا لفهم الأول لأنه يربطه بالتاريخ والذات الفاعلة والظروف الاجتماعية المحيطة .